مقال منهج الشيخ أحمد زروق البرنسي في تصحيح الفكر الصوفي من خلال كتاب قواعد التصوف -نشر ضمن العدد الرابع رجب/ماي2014 من مجلة قوت القلوب يصدرها مركز الإمام الجنيد-

???????????????????????????????

???????????????????????????????

بسم الله الرحمن الرحيم
منهج الشيخ أحمد زروق البرنسي(ت899هـ) في تصحيح الفكر الصوفي
من خلال كتاب “قواعد التصوف”
د.عبد الكريم بنانـــي، باحث في الفكر الإسلامي
بالرغم من الأهمية التي يحتلها التراث الصوفي عالميا، والدور الذي قام به هذا التراث على مستوى الفكر الإسلامي عموما، فإن العناية التي توليها الدراسات المعاصرة لهذا الفكر تبقى نادرة إن لم نقل منعدمة، حيث انبرت الدراسات والأبحاث إلى خدمة التراث الصوفي من جانبه المعرفي الوظيفي أو العملي، بينما ظل الجانب الفكري في هذه الدراسات غُفلا، رغم الأهمية التي يكتسيها البحث في الفكر الصوفي عموما.
وسأحاول في هذه الدراسة المتواضعة تلمّس التصور النظري لعلم التصوف ومحاولة التأصيل له ، ثم الوقوف على المنهج التصحيحي في مسار الفكر الصوفي من خلال أنموذج الشيخ أحمد زروق البرنسي دفين مسراتة.
لذلك، تأتي عناصر المداخلة متضمنة القراءات التالية:
-/- أولا : قراءة في المفهوم والمصطلح
-/- ثانيا : التأصيل التاريخي للفكر الصوفي
-/- ثالثا :السياقات التحولية في الفكر الصوفي
-/- رابعا : منهج التصحيح من خلال أنموذج الشيخ زروق رحمه الله تعالى
فأقول وبالله التوفيق ، ومنه أستمد العون والهداية
أولا : قراءة في المفهوم والمصطلح
لم يتفق الدراسون والباحثون القدامى والمحدثون على تحديد موحّد لمفهوم التصوف، وهذا راجع إلى اختلافهم حول ماهيته، فهم يرون أنه يشتمل على أحوال ومقامات ويتضمن أخلاقا، ويهدف إلى سلوك الطريق الموصل إلى الله تعالى وفقا للاجتهادات الخاصة التي يتخذها كل منهم في هذا السبيل، فهناك من يعرّف التصوف بـــ”بدايات الطريق”، والبعض الآخر يعرفه انطلاقا من”الغاية والهدف” أو “نهاية الطريق”، ونجد أيضا من يتكلم فيه بلسان الحال الذي ينفعل به أو المقام الذي يستقر فيه في وقته ” وهذا ما دعا العلامة ابن خلدون(ت808هـ) إلى القول بأن التصوف ليس بعلم يمكن التعبير عنه، إذ “العلم الذي يعبر عنه إنما هو العلوم الاصطلاحية، وأما الوجدانية فلا” .
ومن الذين اجتهدوا في تعريف الفكر الصوفي انطلاقا من بدايات الطريق محمد بن علي ، أستاذ الجنيد(ت200هـ) في التصوف، حيث قال:”التصوف أخلاق كريمة ظهرت في زمان كريم، من رجل كريم مع قوام كريم ” .
وعرفه أيضا أبو القاسم الجنيد (ت200هـ) معبرا عنه بأحوال النهاية فقال:”هو أن يميتك الحق عندك ويحييك به” ، وقال فيه أبو عثمان بن سعيد بن اسماعيل(ت298هـ) “التصوف الصحبة مع الله بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة والصحبة مع رسول الله باتباع سنته ولزوم ظهور العلم” .
أما القشيري(ت645هـ)، فقد تناول فيه الجانب الاصطلاحي، فقال:”يقال له متصوف والجماعة متصوفة” قال:”وليس لهذا الاسم من جهة العربية قياس ولا اشتقاق والأظهر فيه أنه لقب” ، ثم تحدث فيه البغدادي ، فعبر عن التصوف بعلامة، قال فيها:”علامة الصوفي الصادق أن يفتقر بعد الغنى ويذل بعد العز ويخفى بعد الشهرة وعلامة الكاذب العكس” .
وهذه التعاريف في مجملها ترشدنا إلى أمر هام، وهو جانب الغموض والتباين في المصطلحات التي استعملها هؤلاء ، فبين تناول التعريف ببدايات الطريق أو بأحوال النهاية أو بعلامة أو ….. تظهر مصطلحات وجدانية روحية لا يطّلع عليها إلا الملّم بالطريقة، وهذا نفس ما علّل به هؤلاء هذا الغموض ، فقالو أن “تعبيراتهم وجدانية ذوقية ولا يمكن التعبير عنها إلا لمن يشارك في وجدانها وذوقها” .
وقد حاول د.عناية الله الأفغاني تبسيط التعريف فتناول جانب الأهداف التي يتوخى التصوف الوصول إليها وهي جانب الأخلاق، فجاءه تعريفه كالتالي: “التصوف هو الالتزام بالصفات الحميدة التي أوردتها الأديان في رسالتها أو هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق أو هو دوام العمل للوصول إلى الحق على حال لا يعلمها إلا الحق” .
ويمكن اعتبار هذا التعريف –وإن تناول جانب الأهداف- قد أسهم في التعريف بجانب التصوف على النحو الذي وجد من أجله ، وهو اتباع الأخلاق والصفات الحميدة التي بثها الله في رسائله السماوية من الصدق، والعدل والتسامح والعفو والمغفرة….
أما الشيخ زروق(899ه) فقد تناول في تعريف المصطلح الجانب الفكري والتربوي من حيث تمييزه عن غيره وبيان حكمته ومقصوده، وتوضيح غايته ومراميه، فقال رحمه الله تعالى:” التصوف علم قصد لإصلاح القلوب، وإفرادها لله تعالى عما سواه. والفقه لإصلاح العمل، وحفظ النظام، وظهور الحكمة بالأحكام. والأصول “علم التوحيد” لتحقيق المقدمات بالبراهين، وتحلية الإيمان بالإيقان”
وعموما فقد “حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه” كما قال الشيخ زروق رحمه الله.
أما فيما يتعلق بسبب التسمية ، فقد ذكر القشيري في رسالته، أنه اختلف في نسبة التصوف هل إلى “الصفاء”، لصفاء قلوبهم أم إلى “الصفة” لتجردهم من الحظوة الدنيوية فشابهوا حال أهل الصفة، أم إلى “الصفّ” لما حرصوا عليه من الفضل والأعمال المقربة وطلب التقدم إلى رضوان؟ .
وقد استبعد الأول من حيث اللغة لأن النسبة إلى الصفا صفوي، واستبعد الثاني (أهل الصفة) لأن النسبة إليها من (صفيّ لا صوفي ) ، واعترض على النسبة إلى “الصف” لنفس المعطى .
وقيل إن النسبة إلى “صوفانة” وهي بقلة تنبث بالصحراء ، فنسبوا إليها لأنهم اجتزأوا باليسير وبما لا يلتفت إليه ، قانعين ببقلة مجتزئين بها
وقيل اختصوا بهذا الاسم لاعتنائهم بلبس الصوف لكن هذا لا يستقيم دليلا لما عرف عن كثير من أهل التصوف تركهم للباس الصوف، وقد رجح غير واحد النسبة إلى أهل الصف، منهم أبو نعيم الأصبهاني(ت430هـ) في حلية الأولياء وأبو الفضل جعفر الأدنوي المصري (ت748هـ) في “الوفي بمعرفة التصوف والصوفي” وأبو محمد عبد الرحمن بن الحسين السلمي ، يقول في كتابه “بيان أحوال الصوفية”: ” اعلم وفقك الله للخيرات، أن التصوف مأخوذ من أهل الصفة الذين ترتّلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا أضياف المسلمين وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقعد معهم ويأنس بهم وكانوا فقراء المهاجرين الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صعاليك المهاجرين، وكانوا في فقرهم كما وصفهم الله في كتابه بقوله(( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم))الحشر8. فبيّن أنهم لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا معلوم ولكنهم قاعدون على ما يفتح لهم من غير سؤال …يبتغون فضل الله في دنياهم ورضوانه في عقباهم …لا يعرفهم ولا يعرف طريقهم إلا من هو في درجتهم وعلى طريقتهم ، يعرفون بسيم العبادة، وكان النبي يقعد معهم ويأنس بهم ، لا يلبسون المرقعة والملونة من الثياب ، لا يسألون الناس إلحافا ، لأن ألسنتهم غنية عن سؤال من يملك الملك رضى بما يجري عليهم ، فكيف تنطق ألسنتهم بسؤال العبد؟…فهذا هو طريق التصوف” .
فيتضح من هذا النص أحوال الفكر الصوفي التي تتأسّس على المنهج الابتغائي الدائم (فضل الله في الدنيا ورضوانه في الآخرة) ، والالتزام بوسائل العبادة التي تقرّب إلى الزهد والورع والتقوى وتبعد عن السؤال والطلب وكل الأخلاق الذميمة، وبذلك تترجح النسبة إلى أهل الصفّة، وهو ما سيظهر أكثر في حديثنا عن نشأة الفكر الصوفي في التاريخ الاسلامي.

ثانيا : التأصيل التاريخي للفكر الصوفي
انبثقت الحلقات الأساسية لبذور من سلوك الرسول الكريم وبعض الصحابة خاصة الخلفاء الراشدين الذين أثر عنهم الزهد والعبادة ومجاهدة النفس، ثم تأصّل في منهج التابعين حتى اكتمل فكرا ناضجا بعد ذلك…
يقول صاحب “منهاج العارفين”: ” التصوف عبارة عن حالة وجدانية جذورها في القرآن وفي حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم طائفة باسم “الصوفية” أو “المتصوفة” لأن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم كانت أعلى الرتب بعد النبوة، وقد فصّل القرآن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث طبقات، وهم: السابقون الأولون من المهاجرين، والسابقون الأولون من أهل المدينة -أي الأنصار- ثم الذين أسلموا بعد أولئك المسلمين الأوائل” .
وهكذا كان الورع والصلاح ومحبة رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه، أهدافا سطّرها أصحاب رسول الله للفوز بنعيم الآخرة…ولم يكن أحد منهم يسمّى بالصوفي أو المتصوف، وإنما عرف هذا الاسم بعد ذلك…فهذا صاحب اللُّمع يذكر أن أول من دعي بهذا الاسم “أبو هاشم الصوفي” الذي قال فيه سفيان الثوري(ت161هـ):”لولا أبو هاشم ما عرفت دقيق الرياء” ، واشتهر هذا الاسم بعد ذلك، وكان هذا قبل نهاية القرن الثاني الهجري، فصار عنوانا لمن سلك النهج الرباني في العبادة وفضّل مجاهدة النفس واختار حياة التقشف على السؤال والطلب واستغن بفضل الله في الدنيا ورضوانه في الآخرة عن كل ما يبعد الروح والوجدان عن خالقه…
فالصحابة رضوان الله تعالى عنهم جميعا، كانوا صوفية قولا وعملا وإن لم يكونوا كذلك اسماً، وماذا يراد بالتصوف أكثر من أن يعيش المرء لدينه ولربه ولرسالة نبيه لا لنفسه، ويتّصف بالورع والزهد وملازمة العبودية، والإقبال على الله بالروح والقلب في جميع الأوقات، وسائر الكمالات التي وصل بها الصحابة والتابعون من حيث الرقي الروحي إلى أسمى الدرجات “فهم لم يكتفوا بالإقرار في عقائد الإيمان، والقيام بفروض الإسلام، بل قرنوا الإقرار بالتذوق والوجدان، وزادوا على الفروض الإتيان بكل ما استحبه الرسول صلى الله عليه وسلم من نوافل العبادات، وابتعدوا عن المكروهات فضلاً عن المحرمات، حتى استنارت بصائرهم، وتفجّرت ينابيع الحكمة من قلوبهم، وفاضت الأسرار الربانية على جوانحهم” .
وهكذا نخلص إلى أن ” صحابة رسول الله كانوا الرواد الأوائل لصوفية الإسلام والمسلمين، فقد حرّك الرسول فيهم عقيدة التوحيد الصافي النقي، كما دعاهم إلى هجران الحياة الدنيوية المضطربة الآثمة، وذكّرهم بالحياة الأخروية وخلود الروح ونشأة الجسد النشأة الثانية، وكان أساس كل هذه المبادئ الإسلامية الخالصة هو الترهيب والترغيب، الخوف من النار والطمع في الجنة” .
ومما يؤكد هذه الحقيقة أن صوفية أهل السنّة اعتبروا مجموعة من الصحابة قدوة لتصوفهم وزهدهم، فصاروا يعالجون حياة كل واحد منهم من زاوية التصوف، ، يقول أبو بكر الواسطي (ت320هـ) الصوفي المشهور:” إن أوّل لسان الصوفية ظهرت في هذه الأمة على لسان أبي بكر إشارة، فاستخرج منها أهل الفهم لطائف توسوس فيها العقلاء” والسبب في أن الصديق الأول للرسول الكريم هو أول لسان الصوفية هو أنه حين خرج عن جميع ملكه وزهد في ماله، قال له النبي الأعظم :”إيش خلفت لعيالك؟” قال أبو بكر:”الله ورسوله”، وهذه الإجابة القلبية النفسية الروحية الطاهرة إن دلّت على شيء، فإنما تدلّ على أنها إشارة جليلة لأهل التوحيد في حقائق التفريد” .
أما عمر فقد عرف عنه أنه أساس الزهد والتصوف القائم على العلم اللّدني والذوق…”وكان لعمر بن الخطاب مقام معلوم عند أهل التصوف، وقد احتلّت تلك الثورة الصافية عندهم مكانة حياة الرجل الزاهد حقا فاعتبروه صاحب المقام الثابت المأنوق، أعلى الله به دعوة الصادق المصدوق وفرّق به بين الفصل والهزل ، كان للحق مائلا وبالحق صائلا وللأثقال حاملا ولم يخف دون الله طائلا” ، كما أن لعمر كرامات تعلق بها هؤلاء ، كقوله حين كان يخطب لأحد قادته”سارية” في المعركة:”يا سارية الجبل الجبل” فظفر سارية بالمعركة بعد أن نزح إلى الجبل، وقال سمعت صوت أمير المؤمنين ينادي “يا سارية الجبل الجبل” مع بعد المسافة التي كانت تفصل بينهما” .
وعثمان بن عفان أيضا يوضع في صفوة المتصوفة الأوائل “فقد كان حظه من النهار الجود والصيام ومن الليل السجود والقيام …وكان لعثمان شيئا ليس لأبي بكر وعمر مثلهما صبره على نفسه حتّى قتل مظلوما وجمعه الناس على المصحف” .
أما علي بن أبي طالب فكان يعرف “برباني الأمة” ، يقول في حقّه أبو نعيم الأصبهاني(ت430هـ): “سيّد القوم ، محب المشهود، ومحبوب المعبود، باب مدينة العلم والعلوم، ورأس المخاطبات ومستنبط الإشارات، راية المهتدين ونور المطيعين ،ووليّ المتّقين وإمام العادلين، أقدمهم إجابة وإيمانا وأقومهم قضية وإيقانا ، وأعظمهم حلما وأوفرهم علما” .
وإذا عرفنا هذا وسلمنا به، أمكننا الجزم بأن الفيض النبوي الشريف في التكثير من العبادة ( حتى تتورّم قدماه) كان الأساس الذي انبثقت منه حركة التصوف الإسلامي، خلافا لما ادّعاه بعض المستشرقين أو بعض الباحثين المسلمين ، الذين يريدون تشويه اسم التصوف، واتهامه بأنه يرجع في نشأته إلى الأصول القديمة والفلسفات الضالة ، ولكن الإنسان المؤمن لا ينساق بتياراتهم الفكرية، ولا يقع بأحابيلهم الماكرة، ويتبين الأمور، ويتثبت في البحث عن الحقيقة، فيرى أن التصوف هو التطبيق العملي للإسلام، وأنه ليس هناك إلا التصوف الإسلامي فحسب.

ثالثا : السياقات التحولية في الفكر الصوفي
يرى ابن خلدون(ت808هـ) أن طريقة التصوف لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية…إلى أن دخل في طريقتهم بعض المتأخرين فصيّروا المدارك الوجدانية علمية نظرية وقالوا بأن الله تعالى متّحد بمخلوقاته في هويته ووجوده وصفاته إما بالحلول فيها أو بمعنى هو عينها ، يؤكّد هذه الحقيقة د.سامي النشار في كتابه”نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام” فيقول:” لقد نشأ التصوف أوّل الأمر في أحضان الكتاب والسنة في صورة الزهد واسترعى أنظار بعض الخاصّة من المسلمين “المعاني الرقيقة” في القرآن، ذات الطابع العميق ورأوا فيها حقائق خفّية أعمق ممّا يرى الناس وسادت نزعة القلق في صدور الخلّص من هؤلاء الناس حين اندفع المسلمون وتزاحموا في غمار الحياة ، فلجئوا إلى هذه المعاني يعمقون فيها ويجدون فيها الملجأ…وكما حاول فلاسفة الإسلام أن يدخلوا عقائد اليونان الميتافيزيقية في عقول المسلمين، نرى بعض صوفية الإسلام يلجئون في التصوف إلى بحث ميتافيزيقي تأثّر بكل ما حوله من فلسلفات…أخذوا من الفيدا الهندي وأخذوا من الإشراقة الفارسية واستمدّوا من الفيض الأفلاطوني وتأثروا بأفلاطون وأريسطو ثم وجدوا مصدرا هامّا في المجموعات الهرمسية وانتهوا إلى عقائد مختلفة أهمها عقيدة”الحلول” وعقيدة “وحدة الوجود”” .
ولم يقف علماء الإسلام والمحقّقون من أهل التصوف مكتوفي الأيدي إزاء هذه الظاهرة الغريبة على الفكر الصوفي السنّي، بل وقفوا بالمرصاد ” للذين حاولوا أن ينطقوا بالعبارات الموهمة أو الذين يفصحون عن شيء في التصوف لم يؤثر عن من سبقهم من أئمة هذا الفكر، فقد كان سلفهم يسلك سلوكا صافيا لا يبتغي فيه إلاّ عبادة الله تعالى ” ، وقد حاول العلامة ابن خلدون أن يصحّح الوضع ليتحدّث في مقدمته عن أئمة التصوف الأوائل، محاولا كشف مسالكهم ومناهجهم في التصوف السنّي، فقال:”… فلم يكن لهم حرص على كشف الحجاب ولا هذا النوع من الإدراك، إنّما همّهم الاتباع والاقتداء ما استطاعوا، ومن عرض له شيء من ذلك أعرض عنه ولم يحفل به، بل يفرّون منه ويرون أنّه من العوائق والمحن وأنّه إدراك من إدراكات النفس مخلوق حادث وأن الموجودات لا تنحصر في مدارك الإنسان” .
فظهر التصوف بمعناه الفلسفي أو الإشراقي والتصوف الكلامي وبقي التصوف السنّي وسطا واعتدالا بين هذه المناهج المتزاحمـــــــــــــــــة:
أـ الفكر الصوفي الفلسفي أو الإشراقي : كان من نتيجة ترجمة كتب الفلسفة اليونانية بعد الفتوحات الإسلامية، انتقال هذه الفلسفة إلى العالم الإسلامي…فتابعها بلا شك بعض المسلمين، فظهر “الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم، وكان عملهم أقرب إلى الشرح والتعليق ” .
ونظرا لتباعد المنهج الفكري بين عقيدة الإسلام الصافية التي تقوم على أساس الوحي الإلاهي وعناصر الفلسفة اليونانية التي تقوم على آراء تفسيرية للوجود حيثما استطاعت ….اشتدّ الصراع بين مفكري الإسلام ( منهم من كان ينتمي إلى طائفة علماء الكلام) ومفكري الفلسفة “وبقي النزاع بين الاثنين أمدا طويلا لم تخمد جذوته ” ، وقد حاول غير واحد من هؤلاء الفلاسفة أن يضيف شيئا لأفلاطونيته ولمذهبه الجديد … وبما أن عددا منهم قد راعى التصوف واستحسنه …فقد حاولوا –كعادتهم- أن يضيفوا له شيئا فيه جدّة وطرافة، ويؤكد د.سامي النشار أن “أوّل من قام بمحاولة التصوف على ركائز فلسفية في المحيط الاسلامي هو أبو نصر الفارابي (ت339هـ)، وقد أخذها عنه تلميذه ابن سينا (ت428هـ)، فأعاد الصياغة وفصّل الغامض وشرح الناهد…” ، كما اعتبر أيضا ابن سينا ” أعظم متصوفة عصره، لقدرته على المناقشة والجدل والتفاهم مع المتصوفة…ناهجا لغة العقل والبصيرة” ، بينما اعتبر ذ.عبد المجيد الصغير “أبا يزيد البسطامي” من أوائل صوفية الحقائق والمؤسس للاتجاه الإشراقي أو الفلسفي .
وقد قامت ركائز هذا التصوف الفلسفي على ما يسمّى “بالمعرفة العليا” أو “المعرفة الإلهية” ، ويقصد بها أن المنهج الصوفي الحقيقي هو “الذي ينتهي بصاحبه إلى معرفة الله عزوجل ” ولكن هذا المعرفة لا يمكن أن تأتي صاحبها عن طريق الأقيسة العادية أو حتى المنطقية، بل تأتيه عن طريق النور –الإشراق- الذي ينعكس في مرآة النفس، وهذا النور صدر عن الموجود الأول – الله – الذي هو الكامل من كل وجه.
يقول صاحب كتاب “أعمال القلوب بين الصوفية وعلماء أهل السنّة”:” إن هذه الحقيقة تبدو واضحة أشد الوضوح إذا عقدنا مقارنة بين تراث الزهاد الأوائل وبين مذاهب الصوفية المتفلسفة، إذ أننا نلاحظ بغير عناء وفي لمحة سريعة لا يكاد يخطئ فيها الباحث من هذه المقارنة، نرى تمسك الزهاد بالكتاب والسنة، فما من صفحة من مؤلفاتهم إلا ويقدمون فيها الأصل واضحا معلنا، نعني به الإسلام في دائرته الكبرى – دائرة الكتاب والسنة – …أما الطرف الثاني، فالمذاهب الفسلفية هي السائدة … وإذا التقينا بنصوص إسلامية فهي مبتورة ملتوية من فرط اختفائها وراء التأويل” .
ب ـ الفكر الصوفي الكلامي : علم الكلام أو علم التوحيد أو علم أصول الدين، علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، وهذا العلم هو النتاج الخالص للمسلمين ، ونتيجة دخول عدد من المتكلمين للتصوف واهتمامهم بالفكر الصوفي ظهرت بعض الأفكار الدخيلة التي تسرّبت للنهج الصوفي بعد أن كان صافيا ، فبدأ الكلام عن “فكرة عدم التباين” و”عدم الاتصال” بين الله ومخلوقاته وظهرت فكرة “الحلول والاتحاد” .
وقد تعرّض عدد من المتصوفة – ممن التزم بهذه الأفكار- للنقذ والذم ، فكتب تراجم الرجال تحكي لنا عن الحلاج(ت309هـ) الذي أجمع الفقهاء في زمانه على وجوب قتله وابن عربي الحاتمي(ت638هـ) الذي عانى من تأويل كلامه، وكانت تكفي الإشارة إلى فكرة “الاتحاد” مثلا ليكون الذم من نصيب صاحبها، كما وقع للهروي الأنصاري(ت481هـ) صاحب كتاب “منازل السائرين” في التصوف، فقد تعرض لذلك حين “أشار في كتابه إلى مقام الفناء واضمحلال ما سوى الله تعالى في الشهود لا في الوجود” ، في حين عرفت أقوال البعض الآخر تحريفا وتشويها، حاول بعض المحققين الدفاع عن سلامتها من مثل هذه الأفكار الدخيلة على التصوف، فالإمام الغزالي (ت505هـ) رحمه نبّه إلى ما نسب إلى أبي يزيد البسطامي (ت261هـ) في الإحياء، فقال:” وأما أبو يزيد البسطامي- رحمه الله – فلا يصحّ عنه ما يحكى وإن سمع ذلك منه، فلعلّه كان يحكيه عن الله عزوجل في كلام يردّده في نفسه، كما لو سُمع وهو يقول:إنني أنا الله لا إلاه إلا أنا فاعبدني ، فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية” .
ولم يكن أبو يزيد البسطامي وحده من وقع في دائرة التحريف والتشويه، بل قاسى معه كبار المتصوفة في هذا الجانب سواء في حياتهم أو بعد التحاقهم بالرفيق الأعلى، فوجدنا من ينسب لهم أقوالا شاذة في الفكر والعقيدة وبعض الأفكار المتعلقة بالحلول والاتحاد ووحدة والوجود، ويقول أنها من كتابه، بينما هو برئ منها، كما حصل مع ابن عربي الحاتمي(ت638هـ) الذي نسبت له أقوال في (الفتوحات المكية)، مما دفع ببعض العلماء الأجلاّء في الشريعة الإسلامية ” ليصنّفوا كتبا في تبرئته مثل كتاب “تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي” للإمام السيوطي” .
والواقع أن تدافع هذه الآراء وتسارعها في نسبة أفكار فلسفية وكلامية إلى كبار المتصوفة كان من آثار اعتناق بعض الفلاسفة والمتكلمين للتصوف كما ذكرنا، لهذا ينبغي على المسلم عموما أن لا يصدر أحكاما تتعلق بشخص ما، صدرت في حقّه تلك الآراء لعلمنا بالظروف والسياقات التي جاءت فيها .

رابعا: منهج التصحيح من خلال أنموذج الشيخ زروق
سيرة من حياته : تناولت عدد من الكتب ترجمة الرجل ، وكلها تتفق على ولادته بمدينة فاس في يوم الخميس 18 محرم عام 846 ﻫ /28 ماي سنة 1442، وتوفيت أمه بعد ولادته في يوم السبت ثم أبوه في يوم الثلاثاء قبل أن يكمل أسبوعه الأول، فكفلته جدّته الفقيه أم البنين حتى بلغ العاشرة وخلال ذلك حفظ القرآن الكريم وتعلم صناعة الخرز .
أصله من قبيلة البرانس التي تعيش في منطقة جبل البرانس ما بين فاس وتازا، لوالد كان من أهل الولاية والصلاح، حيث شيّد على مدفنه في القرية بناية أنيقة تشتمل على مسجد جامع ومكان لسكن الإمام وتعرف بزاوية سيدي أحمد زروق يقام بها موسم كل سنة في بداية شهر غشت بإشراف الجماعة القروية “الطايفة” ، ويحظى ضريح والده بتعظيم واحترام أهل القبيلة، وقد ورث زروق هذا اللقب عن جدّه الذي كان أزرق العينيين زرقة معروفة في العرق البربري، وحين ولد زروق أسماه أبوه محمدا، لكن ما لبث أن عرف باسم أبيه (أحمد) حين توفي الأب واحتفظ باسمه.
انتظم وهو ابن ستة عشر في سلك طلبة جامع القرويين والمدرسة البوعنانية معاً، وصار يتردد عليهما لدراسة أمّهات كتب المذهب المالكي والحديث والأصول وقواعد العربية، كما درس بعضاً من كتب التصوف، وتتلمذ على أشهر علماء فاس وفقهائها آنذاك، وعددهم يزيد على ثلاثين فقيهاً و محدثاً وفقيراً، كما درس أمهات الكتب، ومنها كتاب التنوير لابن عطاء الله السكندري، وبدأ صلته بمشايخ الطريقة الشاذلية وهو في العشرينات من عمره، فلزم مريدا للشيخ محمد الزيتوني بزاوية الشاذلية في فاس، وكتب تعليقه الأول على حكم ابن عطاء الله وهو في الرابعة والعشرين من عمره (عام 870 هــ ) وفي هذه السنة انطلق الشيخ زروق في سياحة أربعين يوماً كاملة بأمر شيخه، زار خلالها ضريح الشيخ شعيب أبو مدين بن الحسين ( المتوفى عام 596 هـ / 1198م ) في تلمسان، وعاد إلى فاس بعد مخاطر عديدة قابلته في رحلته، وعناءً شديداً تكبّده، ومكث في فاس بعدها ثلاث سنين مشتغلاً بالدرس والتأليف .
أما عن شيوخه ورحلته في طلب العلم فقد درس على عدد كبير من علماء المغرب الأقصى وقام برحلة وذهب إلى تونس حيث أخذ عن عدد من العلماء منهم الشيخ عبد الرحمن الثعالبي والشيخ إبراهيم التازي والمشذالي والرصاع والحافظ التنسي وحلولو اليزليتني ، ثم قام بالحج وزار مصر وأخذ عن عدد من علمائها منهم النور السنهوري والحافظ الدميري والحافظ السخاوي، وأخذ عن أبي العباس أحمد بن عقبة الحضرمي، كما أخذ عن علماء آخرين كثيرين.
وبعد ترحال دام سنوات ألقى عصا التجوال في مسراتة، واستقر بها في ربيع أول عام 889 ﻫ أبريل سنة 1484م وأقام بتكيران وتزوج من أولاد الشيخ الجعافرة بالسيدة أمة الجليل بنت أحمد المكرم أبي العباس بن أبي زكريا يحي الغلباني المسراتي ورزق منها بأحمد أبي الفضل وأحمد أبي الفتح وعائشة .
وبنفس النهج الذي يسير عليه العارفون في شيوع ذكرهم بعد وفاتهم ورفضهم إقامة الزوايا على قبورهم، سار شيخنا أبو العباس أحمد زروق على نفس النهج، فــ”قد قام خادمه أحمد بعد وفاته بعشرين سنة ببناء قبة على قبره وبجانبها مسجد، وكان قد طلب من شيخه زروق أن يسمح له ببناء زاوية فرفض، وأصبح المسجد ملتقى لطلاب العلم والزهاد ومركزا لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الشرعية حتى اليوم ” .
منهجه في التصحيح : هذا هو شيخ ومحتسب الصوفية في وقته، الذي ملأ ذكره الآفاق، نظرا لما خلفه من كتب ولما عرف عنه من ورع ولما عهد في فكره من قضايا شذّت إليها الألباب لأنها ترتبط بالتنظير الصوفي من مرتكز فكر مقاصدي تصحيحي رصين، يلتزم الأصول الكلية التي جاءت بها الشريعة، ويقف عند الحدود ويقوم على أساس اجتهاد تعبدي تكتنفه حكم ومعاني ربانية.
– ترك شيخنا أحمد زروق ، العديد من المؤلفات التي انتشرت في البلاد الإسلامية، وهي في فنون شتى، في العربية والحديث والحكمة والتصوف والفقه، وكان أشهرها كتبه في التصوف التي من أهمها (قواعد التصوف) و(أرجوزة في عيوب النفس) وشرحها المسمى (الأنس في شرح عيوب النفس)و(إعانة المتوجّه المسكين إلى طريق الفتح والتمكين) و(عدّة المريد الصادق من أسباب المقت في بيان الطريق وذكر حوادث الوقت) والذي يعرف باسم آخر هو(النهي عن الحوادث والبدع) و(النصح الأنفع والجنة للمعتصم من البدع بالسنّة) (والنصيحة الكافية لمن خصّه الله بالعافية) وشروحه على الحكم العطائية.
وسبب تأليف الشيخ زروق لــــــــ”قواعد في التصوف” هو اختياره لمنهج تصحيحي في الفكر الصوفي، اعتمد “الردّ على المبتدعة من المتصوفة الذين شاهدهم ورأى افتتان الناس بهم حيث قام بحصر بدعهم وعرفها وبيّن فاسدها كما بيّن في كتابه التصوف الصحيح وبيّن قواعده وردّها إلى الكتاب والسنة وسيرة الصوفيين الأوائل وبيّن أن الصوفي الحقيقي هو من يلتزم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويبتعد عن البدع واستشهد في ردوده بأقوال عدد من أهل التصوف أنفسهم، ومن بينهم الشيخ أبي القاسم النصر آبادي الذي قال: “أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع، وتعظيم المشايخ ورؤية أعذار الخلق والمداومة على الأوراد، وترك الرخص والتأويلات” .
وهو بهذا النقد الذي قدّمه لكل من حادت نفسه عن اتباع الطريق الصحيح، وترك المنهج الرباني القائم على التحلية والتخلية بما يكفل للنفس المراجعة الصحيحة، يضع نفسه في مقدمة “الصوفية الفقهاء” أو “فقهاء الصوفية” الذي أكثروا من نقد الصوفية إلى جانب مدح طريقتهم لا من باب معاداتهم وإنّما من باب الإصلاح والتصحيح، فهو الذي حقّق المعنى المفهومي للتصوف وربطه بالفقه وأصول التوحيد تصحيحا للعقيدة والعمل، يقول :” التصوف علم قصد لإصلاح القلوب، وإفرادها لله تعالى عما سواه، والفقه لإصلاح العمل، وحفظ النظام، وظهور الحكمة بالأحكام والأصول “علم التوحيد” لتحقيق المقدمات بالبراهين، وتحلية الإيمان بالإيقان، كالطب لحفظ الأبدان، وكالنحو لإصلاح اللسان ” فلا يصحّ التصوف عنده بلا فقه، لأن الفقه يكفي عن التصوف، ولا يكفي التصوف عن الفقه ، وهي محاولة جديدة لم نلحظها عند من سبقه من العلماء يؤكّدها في القاعدة26 قبلها بقوله :”كن فقيها صوفيا ولا تكن صوفيا فقيها” وقوله أيضا:”حكم الفقه عام في العموم لأن مقصده إقامة رسم الدين ورفع مناره وإظهار كلمته، وحكم التصوف خاص في الخصوص لأنه معاملة بين العبد وربّه(….) فمن ثمّ صح إنكار الفقيه على الصوفي ولا يصحّ إنكار الصوفي على الفقيه ولزم الرجوع من التصوف إلى الفقه والاكتفاء به دونه ولم يكف التصوف عن الفقه بل لا يصحّ دونه…” ، حتى أنه ميّز بين تصوف ابن الحاج وغيره من أنواع التصوف الأخرى، وفي ذلك يقول في إحدى قواعده “تعدّد وجوه الحسن، يقضي بتعدد الاستحسان [وحصول الحسن لكل مستحسن]، فمن ثم كان لكل فريق طريق: فللعامي تصوف حوته كتب المحاسبي، ومن نحا نحوه، وللفقيه تصوف رحاه ابن الحاج في مدخله، وللمحدث تصوف حام حوله ابن العربي في سراجه، وللعابد تصوف دار عليه الغزالي في منهاجه، وللمتريض تصوف نبه عليه القشيري في رسالته، وللناسك تصوف حواه القوت والإحياء، وللحكيم تصوف أدخله الحاتمي في كتبه، وللمنطقي تصوف نحا إليه ابن سبعين في تآليفه، وللطبائعي تصوف جاء به البوني في أسراره. وللأصولي تصوف قام الشاذلي بتحقيقه، فليعتبر كل بأصله من محله” .
مال الشيخ زروق في منهجه التصحيحي إلى تبيين معنى التصوف السنّي، فدعا إلى التوقف في إصدار أحكام على منظّري الفكر الفلسفي الصوفي كالشيخ ابن العربي وابن سبعين والعفيف التلمساني ومن نحا نحوهم، لأن تصوفهم في رأيه ينطوي على كثير من المبهمات والموهمات، ولا يصح أن يَقرأ كتب أولئك الصوفية إلا عالم متمكن يعتبر المعنى ولا يتقيد باللفظ، ليستطيع فهم المعاني في محالها فلا تزيغ به أهواءه عن استيعاب ما سطّروه، أما العوام فيحسن أن يبتعدوا عن تلك الكتب خشية على عقائدهم.
يقول في قواعد التصوف: ” التوقف في محل الاشتباه مطلوب كعدمه فيما يتبين وجهه من خير أو شر، ومبنى الطريق على ترجيح الظن الحسن عند موجبه وإن ظهر معارض، فمن ثم اختلف في جماعة من أهل التصوف، كابن الفارض، وابن أحلى، والعفيف التلمساني، وأبي اسحق التجيبي، والششتري، وابن سبعين، والحاتمي وغيرهم” .
ويقول أيضا عن ابن العربي الحاتمي :” أعرف بكل فن من أهل كل فن، … اختلف فيه من الكفر إلى القبطانية، لأن في التكفير خطراً، وتعظيمه ربّما عاد على صاحبه بالضرر من جهة اتباع السامع لمبهماته وموهماته ” .
ويقول عن ابن سبعين:” وفي أحزاب ابن سبعين كثير من المبهمات والموهمات، فوجب التجنب جملة كمحل الخطر، إلا لعالم يعتبر المعنى فلا يتقيد باللفظ فيه ” .
ويتبيّن موقف زروق بوضوح أكثر من تصوّف الفلاسفة وما قد يفهم من كلامهم من الشبهات والأغلاط حين يقول: “حذر الناصحون من تلبيس ابن الجوزي، وفتوحات الحاتمي بل كل كتبه أو جلها، كابن سبعين، وابن الفارض، وابن حلا، وابن ذو سكين، والعفيف التلمساني، والأيكي العجمي، والأسود الأقطع، وأبي اسحق التجيبي، والششتري، ومواضع من الإحياء للغزالي، جلها في المهلكات منه، والنفخ والتسوية له، والمضنون به على غير أهله، ومعراج السالكين له، والمنقذ، ومواضع من قوت القلوب لأبي طالب المكي، وكتب السهروردي ونحوهم، فلزم الحذر من مواطن الغلط، لا تجنب الجملة، أو معادة العلم، ولا يتمّ ذلك إلا بثلاث: قريحة صادقة، وفطرة سليمة، وأخذ ما بان وجهه وتسليم ما عداه، وإلا هلك الناظر فيه باعتراض على أهله، أو أخذ الشيء على غير وجه، فافهم” .
بل إن خلاصة منهجه يمكن فهمها بوضوح في القاعدة 216 من قواعد التصوف، حين نصّ على أن من دواعي الإنكار على المتصوّفة خمسة أمور ” أولها: النظر لكمال طريقهم، فإذا تعلقوا برخصة، أو أتوا بإساءة أدب، أو تساهلوا في أمر، أو بدأ منهم نقص، أسرع للإنكار عليهم، لأن النظيف يظهر فيه أقل عيب، ولا يخلو الإنسان من نقص ما لم تكن له من الله عصمة أو حفظ. الثاني: رقة المدرك ومنه وقع الطعن على علومهم في أحوالهم، إذ النفس مسرعة لإنكار ما لم يتقدم له علمه. الثالث: كثرة المبطلين في الدعاوي والطالبين للأغراض بالديانة، وذلك سبب إنكار حال من ظهر منهم بدعوى، وإن أقام عليها الدليل لاشتباهه. الرابع: خوف الضلال على العامة باتباع الباطن دون اعتناء بظاهر الشريعة كما اتفق لكثير من الجاهلين.
الخامس: شحّة النفوس بمراتبها، إذ ظهور الحقيقة مبطل لكل حقيقة، ومن ثم أولع الناس بالصوفية أكثر من غيرهم، وتسلط عليهم أصحاب المراتب أكثر من سواهم، وكل الوجوه المذكورة صاحبها مأجور أو معذور إلا الأخير، والله سبحانه أعلم” .
ولم يكتفي الشيخ زروق بالتنبيه على أهمية الاعتناء بمقاصد الشريعة وغاياتها والتخلف عن كل ما من شأنه أن يثير الشبهات حول منهج يعتقد صحّته وسلامته، بل نبّه أيضا إلى ضرورة نبذ التقليد في الاتباع والاستناد إلى الحقيقة ممن يوثق في دينه وعلمه، لأن “أخذ القول من غير استناد لعلامة في القائل، ولا وجه في المنقول، مذموم مطلقاً، لاستهزاء صاحبه بدينه” ، مما ينفي عنه أهلية التصوف، لأن المؤهّل للتصوف- في نظر الشيخ زروق- تكون”لذي توجه صادق، أو عارف محقّق، أو محب مصدق، أو طالب منصف، أو عالم تقيده الحقائق أو فقيه تقيده الاتساعات، لا متحامل بالجهل، أو مستظهر بالدعوى، أو مجازف في النظر، أو عامي غبي، أو طالب معرض، أو مصمّم على تقليد أكابر من عرف في الجملة” ، فالمتصوف الحقيقي هو الذي تقيّده ويسعى بنظره عن أن يقلّد دون استناد إلى حقيقة الزهد ومعرفة وتبين بطريقة القوم، سلوكا ومنهجا.
الشيخ رحمه اله تعالى فهم معنى التصوف وجال في فكره، فنحا فيه منحى تربويا علميا، ينبّه على البدع الظاهرة التي قد تخرج عن الإسلام، ويرى كغيره أن ما تعرّض له عدد من كبار المتصوفة سببه عدم رقيّ فهوم الناس إلى مداركهم ومفاهيمهم، ويستدل بمصادر الشريعة كثيرا، وعلى رأسها الكتاب والسنة أهم مصدر كان يستقي منها فكره، يعزز كثيراً من آرائه وأحكامه بشواهد عدة من كتاب الله وسنة نبيه وشواهد من أقوال الصحابة ، وهو ما خوّل له المكانة التي جعلت منه فيما بعد محتسب الصوفية، وشدّت إليه الرحال من كل بقاع الأرض .
وبعد هذه الجولة في مفهوم ومعاني التصوف وحقيقة التسمية ومسار التحول، ثم بعد ذلك منهج الشيخ زروق في تصحيح الفهوم، يمكن أن نقول: أن الفكر الصوفي لم يكن تعطيلا لحركة الانتاج ولا لدواليب الحياة في مقابل الانزواء والتفرد بالعبادة، فلم يكن إعراضا عن الحياة بقدر ما كان إعراضا عن ما يوجب غضب الله في هذه الحياة، فالتصوف منهج ربّاني، سمت به نفوس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتابعيهم وتابعي التابعين وتابعيهم إلى يوم الدين، فأدعياء التصوف لم يخل بهم مصر ولا عصر، ولم يؤثروا بحال من الأحوال على نقاء التصوف وصفائه من الشوائب والأفكار الدخيلة، لأن التصوف كان تصوفا سنّيا منذ بداياته بكل ما تحمله الكلمة من دلالات لاحتكامه إلى القرآن والسنّة، يقول أبو بكر الطمستاني(ت340ه) وهو من كبار شيوخ الطريقة:”الطريق واضح، والكتاب والسنة قائمة بين أظهرنا، فمن صحب الكتاب والسنة، وعزف عن نفسه والخلق والدنيا، وهاجر إلى الله بقلبه، فهو الصادق المصيب المتبع لآثار الصحابة، لأنهم سمّوا السابقين لمفارقتهم الآباء والأبناء المخالفين، وتركوا الأوطان والإخوان، وهاجروا وآثروا الغربة والهجرة على الدنيا والرخاء والسعة، وكانوا غرباء، فمن سلك مسلكهم واختار اختيارهم كان منهم ولهم تبعا” .
والحمد لله رب العالمين

الهوامش:
انظر كتاب أعمال القلوب بين الصوفية وعلماء أهل السنة.د.مصطفى حلمي.ص10.دار الدعوة للطباعة والنشر(د.ت.).
شفاء السائل لتهذيب المسائل.عبد الرحمن بن خلدون.ص204.الدار العربية للكتاب1991.
الرسالة القشيرية في علم التصوف.أبو القاسم القشيري.2/552.طبعةبيروت.لبنان.(د.ت.).
الجنيد بن محمد الخزاز القواريري أبو القاسم شيخ وقته، أصله من نهاوند، مولده ومنشأه ببغداد، درس الفقه على أبي ثور وكان يفتي وهو ابن عشرين سنة” . طبقات الأولياء. ابن الملقن. تحقيق: شريبه.ص126.دار التأليف 1973.
الرسالة القشيرية في علم التصوف.أبو القاسم القشيري.2/552.طبعةبيروت.لبنان.(د.ت.).
أبو عثمان سعيد بن عثمان بن سعيد بن منصور الحيري، أقام بنيسابور ونشر التصوف بخراسان”. طبقات الصوفية، محمد بن الحسين السلمي.1/170.ط.القاهرة1969.
الرسالة القشيرية.1/138ـ139.مرجع سابق.
الرسالة القشيرية.2/550.مرجع سابق.
أعمال القلوب بين الصوفية وعلماء أهل السنة.ص11. مرجع سابق.
نفسه.ص.10.
جلال الدين الرومي بين الصوفية وعلماءالكلام.د.عناية الله الأفغاني .ص37.الدار المصرية اللبنانية.ط1407/1987.
قواعد التصوف.أبو العباس أحمد بن محمد زروق قاعدة13..صححه محمد زهري النجار.مكتبة الكليات الأزهرية.ط2/1976م.
قواعد التصوف.قاعدة12.مرجع سابق.
أهل الصفة جماعة من الفقراء كانوا يقيمون في صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت لزهاد المسلمين. انظر تاريخ التصوف الإسلامي.عبد الرحمن بدوي.ص127.ط.الكويت.1975. وشفاء السائل.ص182.
الرسالة القشيرية 2/551-552.
نفس المرجع السابق.
تلبيس إبليس . أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي.ص163.ط.بيروت.لبنان1368هـ.
التعرف لمذهب أهل التصوف، محمد بن ابراهيم الكلابذي.ص29-30.تحقيق:عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي.ط.القاهرة.1960.يقول ابن خلدون(ت808هـ):”…وتخيل من لباسهم الصوف في بعض الأوقات تقللا وزهدا أنه شعار لهم” شفاء السائل .ص 182.
ط.القاهرة .1932.
ص42. تحقيق وتعليق:د.محمد عيسى صالحية.دار العروبة للنشرو التوزيع.ط.الكويت.1408هـ-1988.
أي اتبعوا أوامر النبي صلى الله عليه وسلم أحسن اتباع.
بيان أحوال الصوفية، ابو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي. ص365-366. تحقيق:د.سليمان ابراهيم آتش الناشر للطباعة والنشر والتوزيع.ط1.1414هـ/1994.
منهاج العرافين.أبو عبد الرحمن السلمي.ص9-10.بتصرف .مقدمة المحقق.
اللمع في التصوف .السراج الطوسي.ص42.ط1 . القاهرة1960. وانظر منهاج العارفين.ص11. مرجع سابق.
حقائق عن التصوف .الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله.ص11.منشور بموقع الطريقة الشاذلية الدرقاوية.(shazly.com).
دراسات في التصوف الإسلامي شخصيات ومذاهب. د.محمدجلال شرف.ص55.دار النهضة العربية.ط.1404هـ/1984.
محمد بن موسى ، ابي بكر الواسطي، يعرف بابن الفرغاني، من قدماء أصحاب الجنيد(ت200هـ)، وهو من علماء مشايخ القوم، لم يتكلم أحد في أصول التصوف مثل ما تكلم هو ، كان عالما بالأصول وعلوم الظاهر. طبقات الصوفية، أبو عبد الرحمن السلمي. تحقيق: مصطفى عبد القادرعطا.ص232.دار الكتب العلمية.ط1.1419هـ/1998.
اللمع في التصوف.ص168. وانظر دراسات في التصوف الإسلامي.ص 56.
دراسات في التصوف الإسلامي.ص56. مرجع سابق.
حلية الأولياء .أبو نعيم.1/38.مرجع سابق.
اللمع في التصوف. ص173. مرجع سابق.
حلية الأولياء. 1/55. مرجع سابق.
حلية الأولياء.1/61ـ62.
روت سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه ، فكانت تشفق عليه فتخاطبه:”ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ وكأن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تتصوّر أن صلاته صلى الله عليه وسلم كانت تهدف إلى أن يغفر الله له (الذنب)، فنبّهها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هناك عبادة زيادة عن العبادة المفروضة يقصد بها أمور قد لا يكون منها غفران الذنب ، وإنّما هو التلذذ بالوقوف بين يدي الله حبّا ونعمة”. انظر كتاب التصوف في الميزان. د.مصطفى غلوس.ص5 .مرجع سابق.
زعم بعض المستشرقين والباحثين من المسلمين أن للرهبة المسيحية أثر في خلق حركة التصوف الإسلامي، من هؤلاء “جولد زهير” الذي أشار إلى أن تعاليم الأفلاطونية الحديثة نفذت إلى نطاق الحياة العقلية في الإسلام وهو حدث ذا أهمية من جهة التصوف الإسلامي. انظر كتاب التصوف الإسلامي في المغرب. ذ. علال الفاسي. إعداد:عبد الرحمن بن العربي الحريشي.ص7.مطبعة الرسالة 1998.
لمزيد تفصيل فيما ادعاه بعض المستشرقين أو الباحثين انظر كتاب حقائق عن التصوف.ص13وما بعدها. مرجع سابق.وصاحبه يردّ على هذه الادعاءات ببيان مفصّل واضح.
انظر المقدمة ص611ـ616 بتصرف.مراجعةد.سهيلزكار .دار الفكر. ط1 1401هـ/1981.
نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1/37. مرجع سابق.
التصوف في الميزان.ص 13. مرجع سابق.
مقدمة ابن خلدونص624. مرجع سابق.
نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام .1/30.
المرجع السابق .
التصوف في الميزان.ص.103.
المرجع السابق.
إشكالية إصلاح الفكر الصوفي في القرنين 18و19م.ط. دار الآفاق الجديدة بالمغرب.انظر أيضا كتاب التصوف السنّي وأعلامه بالمغرب.ص88. منشورات المجلس العلمي المحلي بالقنيطرة. سلسلة ندوات وأيام دراسية.
يقول ابن خلدون(ت808هـ) وهو يرد على ابن سينا صاحب الفكرة:”…وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية، ولا دليل شرعي وإنما هو نوع من أنواع الخطابة” . المقدمة .ص620.
المرجع السابق .
أعمال القلوب بين الصوفية وعلماء أهل السنة . ص.27.
نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام .1/38.
انظر مقدمة ابن خلدون .ص617. مرجع سابق.
فكرة الحلول تعني : حلول الله في مخلوقاته. وفكرة الاتحاد تعني : اتحاد روحاني بين الله والانسان- حسب زعمهم- فيصير علم هذا الانسان علم الله وقدرته قدرة الله وهكذا .انظر مثلا كتاب التصوف بين السنية والتطرف .ص96 وما بعدها. ومجلة البحوث الفقهية المعاصرة ص 230. العدد 32.رمضان1417هـ.(مقال حكم التصوف في الشريعة).
مجلة البحوث الفقهية المعاصرة .ص229.عدد32. مرجع سابق.
محمد بن علي بن محمد بن عربي المعروف بمحي الدين بن عربي، ولد في مريسة بالأندلس وانتقل إلى إشبيلية وزار الشام وبلاد الروم والعراق والحجاز وانكر عليه اهل الديار المصرية ما صدر منه، فعمل البعض على إراقة دمه . انظر الإعلام للزركلي6/281.دار العلم للملايين.بيروت.ط6/1984.
أبوبكر الغورجي-بالضم وفتح الراء والجيم- إلى غورة ، قرية بهراة، أحمد بن عبد الصمد الهروي، توفي في ذي الحجة 481هـ. انظر شذرات الذهب في أخبار من دهب. ابن العماد الحنبلي.3/365.دار المسيرة.بيروت.ط2/1399هـ.
كتاب الذيل على طبقات الحنابلة.ابن رجب.1/84.
طيفور بن عيسى البسطامي، نسبة إلى بسطام ، يعرف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية. انظر طبقات الصوفية .ص67-68. الإعلام للزركلي .3/235.
إحياء علوم الدين. الغزالي.1/36.درا المعرفة للطباعة والنشر (د.ت.).
التصوف بين السنية والتطرف .ص88. مرجع سابق.
نيل الابتهاج بتطريز الديباج. أحمد بابا التنبكتي. 130-131.إشراف وتقديم: عبد الحميد بن عبد الله الهرامة، كلية الدعوة الإسلامية. ط.1989 .
هذا الموسم يقام بشكل رسمي وتحضره فعاليات من داخل إقليم تازة، فضلا عن الزوار الذين يحجون إلى المنطقة لحضور الموسم. توثيق خاص.
انظر حقيقة التصوف الصحيح للشيخ أحمد زروق رضي الله عنه وأرضاه .ص.21 بتصرف جمع وتصنيف المهندس نبيل معين عساف .ط.دار العرب 1986.
انظر نيل الابتهاج .ص131.مرجع سابق.
الرحلة العياشة. أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي. ص 210.ضمن كتاب ليبيا في كتب الجغرافية والرحلات. اختيار وتصنيف: د إحسان عباس- د محمد يوسف نجم. ط1.دار ليبيا للنشر والتوزيع والإعلان. 1968.
عدة المريد الصادق.أحمد زروق. ص 27. تحقيق: د الصادق عبد الرحمن الغرياني. ط1.من كلام المحقق. مكتبة طرابلس العلمية العالمية. 1996.
قواعد التصوف. قاعدة13..مرجع سابق.
قواعد التصوف. قاعدة210..مرجع سابق.
هناك مقولة تنسب للإمام مالك، تشير إلى ضرورة الجمع بين الفقه والتصوف وهي:”من تفقه ولم يتصوف فقد تفسّق ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن جمع بينهما فقد تحقق”. انظر الإرشاد والتبيان في الرد على الرؤساء والأعيان من أهل تطوان. مخطوط بالخزانة العامة.رقم80ك.ضمن مجموع.ص230.
قواعد التصوف. قاعدة26. مرجع سابق.
قواعد التصوف. قاعدة60..مرجع سابق.
قواعد التصوف. قاعدة 87. مرجع سابق.
نفس المرجع.
قواعد التصوف.قاعدة 110.مرجع سابق.
قواعد التصوف. قاعدة 215. مرجع سابق.
انظر قواعد التصوف.قاعدة 216.مرجع سابق.
قواعد التصوف. قاعدة 42. مرجع سابق.
قواعد التصوف. قاعدة 11. مرجع سابق.
انظر القواعد التالية على سبيل المثال:4-7-8-23-64-65-78-82-84-85-88-90.
حلية الأولياء. 10/382. مرجع سابق.

Advertisements